أحمد بن سهل البلخي
69
مصالح الأبدان والأنفس
هجوم كبير من أهل عصره عليه ، حتى رموه بالزندقة ! ولفهم هذا الموقف العام من أمثال أبي زيد ننقل هنا ما ذكره التوحيدي عن شيخه أبي سليمان السجستاني ، من القول في الذين يحاولون أن يدسّوا الفلسفة في الشريعة ، ويضموا الشريعة إلى الفلسفة - أنهم ما حصلوا إلا على لوثات قبيحة ولطخات فاضحة ، وأن هذه لو كانت جائزة لكان اللّه تعالى نبّه عليها ، وكان صاحب الشريعة يقوّم شريعته بها ويكمّلها باستعمالها ، وأن النبي فوق الفيلسوف ، والفيلسوف دون النبي ، وأن على الفيلسوف أن يتّبع النبي ؛ لأنه مبعوث ، والفيلسوف مبعوث إليه . ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غناء . ثم يتابع ناقلا عن الحريري « 1 » : « قد حاول هذا الكيد خلق كثير في القديم والحديث ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وكبّوا لوجوههم خاسرين ، منهم أبو زيد البلخي ؛ فإنه ادعى أن الفلسفة مقاودة للشريعة ، والشريعة مشاكلة للفلسفة ، وأن إحداهما أمّ ، والأخرى ظئر « 2 » ، وأظهر مذهب الزيدية ، وانقاد لأمير خراسان الذي كتب له أن يعمل في نشر الفلسفة بشفاعة الشريعة ، ويدعو الناس إليها باللطف والشفقة والرغبة ، فشتت اللّه كلمته ، وقوّض دعامته ، وحال بينه وبين إرادته ، ووكله إلى حوله وقوته ، فلم يتمّ له من ذلك شيء » « 3 » . غير أن أبا القاسم البلخي المعتزلي برّأ ساحة البلخي من تهمة ضلال الفلاسفة فقال : « هذا الرجل مظلوم - يعني أبا زيد - وهو موحّد ، أنا أعرف به من غيره ، وإنا نشأنا معا ، وإنما أتي من المنطق ، وقد قرأنا المنطق ، وما ألحدنا والحمد لله » « 4 » .
--> ( 1 ) غلام ابن طرّارة كما ذكره التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة 2 / 11 . ( 2 ) الظئر : العاطفة على غير ولدها ، المرضعة له . ( انظر القاموس المحيط ظ أر 1 / 606 ) . ( 3 ) التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 / 6 - 15 . ( 4 ) النديم ، الفهرست 198 .